تقرير خبيرة الأمم المتحدة حول العنف ضد المرأة في السعودية 2008

إختتام زيارة خبيرة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان المعنية بالعنف ضد المرأه للمملكة العربية السعودية

بناء على دعوة من حكومة  المملكة العربية السعودية , قمت بزيارة المملكة  في الفترة من  3 إلى 13  فبراير 2008 م . وخلال زيارتي التي شملت الرياض وبريدة وجدة والدمام , ألتقيت بمسئولين في الحكومة وبرئيس مجلس الشورى وممثلين عن كافة قطاعات المجتمع بما في ذلك الأكاديميين ومنظمات حقوق الإنسان ومراكز حماية الأسرة والمجموعات النسائية وضحايا العنف وبعض   النساء الموقوفات في السجن المركزي بالرياض . كذلك إلتقيت مع أعضاء السلك الدبلوماسي بما

في ذلك منظمة المؤتمر الإسلامي , والأتحاد الأوروبي وفريق الأمم المتحدة في المملكة .

 

أود في البداية أن أعرب عن تقديري للتعاون والمساعدة التي قدمتها حكومة المملكة العربية السعودية وخاصة هيئة حقوق الإنسان والتي كانت منوطة بتنسيق زيارتي .

 

وسوف أقدم تقريرا شاملا يتضمن النتائج والتوصيات التي توصلت إليها إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة . أما اليوم فإنني أتقاسم معكم ملاحظاتي الأولية بشأن بعض

المجالات ذات الأولوية والمتعلقة بالولاية المحددة المنوطة بي .

 

لقد تباينت وتعددت أصوات المرأة السعودية وكذلك أمانيها ومطالبها وفقا لتباين وتعدد خبراتها في الحياة. فمن بين النساء السعوديات اللائي ألتقيت بهن كان هناك نساء أعربن عن رضائهن

التام بحياتهن . وكذلك ألتقيت بنساء  أخريات أعربن عن مشاكل خطيرة بشأن الممارسات التمييزية ضد المرأة والتي تمس بحقوقهن وكرامتهن بصفتهن إنسان كامل الأهلية بل والتي تنال من القيم الحقة لمجتمعهن .  كذلك قصت علي  نساء أخريات العنف المنزلي الذي يتعرضن له بشكل منتظم في ظل غياب سبل الإنتصاف . كذلك إلتقيت بالنساء الأجانب المتزوجات من مواطنين سعوديين وبالعاملات المهاجرات  اللائي يعملن في المنازل واللائي يعانين من نقاط ضعف إضافية .

 

هذا التنوع إنما يعكس كل من المعوقات والفرص السائدة والمتاحة للمرأة . ففي خلال السنوات الأخيرة حدثت تطورات إيجابية بالنسبة لوضع المرأة .  وفي هذا الشأن فأكثر ما يستحق الإشارة  إليه هو حصول المرأة على التعليم الأمر الذي أدى إلى تحسن كبير في معدلات محو الأمية بالنسبة للمرأة في غضون فترة زمنية قصيرة نسبيا . فالمرأة  السعودية تتمتع  بإمكانية الوصول شبه الكامل والمجاني للتعليم الأبتدائي والمتوسط والثانوي .  ولقد تساوت نسبة الفتيات اللائي يلتحقن بالمدارس تساوت مع نسبة إلتحاق الشباب بل في أحيان أخرى تتجاوزهم .

 

أما بالنسبة للتعليم العالي فعلى الرغم من أن المرأة مستبعدة عن بعض المجالات إلا أنها بدأت تقبل  بشكل متزايد في مجالات دراسية  جديدة مثل القانون حيث تتخرج أول دفعة خلال هذا العام .

 

ومع ذلك , فالتقدم الذي تم إحرازه في تعليم المرأه لم يصاحبه زيادة متناسبة في مشاركة المرأة في القوى العاملة. أما بالنسبة للقطاع العام , فبإستنثاء فرص العمل المتاحة في مجالات الصحة

والتعليم والعمل الإجتماعي , نجد أن المرأة لا تحصل على فرص عمل في وزارات مثل وزارة العدل والداخلية ووزارات أخرى يعتبرها البعض بأنها غير  متناسبة مع  “طبيعة ” المرأة . إن

المرأة مستبعدة على وجه الخصوص من مناصب صنع القرار . فعلى سبيل المثال لا توجد أي أمرأه عضو في مجلس الوزراء أو مجلس الشورى أو في  مجلس هيئة حقوق الإنسان الذي أنشئ حديثا . لكن من الناحية الأخرى , يبدو أن القطاع الخاص بدأ بشكل تدريجي بإعطاء المرأة فرصا تنطوى على مجالات أوسع لإثبات ذاتها على الرغم من أن نسبة المرأة العاملة في هذا القطاع ما زالت منخفضة

 

ويبدو أن معوقات مشاركة المرأة في القوى العاملة مرتبطة إيضا بسياسة الفصل بين الجنسين في مكان العمل . ففي حين ترى بعض النساء من المسئولات أن هذا الوضع يحول دون مشاركة المرأة في كامل الأنشطه و والأستفادة من الفرص المتاحة  لها في بيئة العمل فهو يؤدي إلى إزدواجية المهام والموارد البشرية والمالية . وهناك رأي آخر يقول أن إنشاء أقسام خاصة للمرأة في الأماكن العامه  هو الذي يمكن المرأة من المشاركة . وعلى أية حال فهناك ضرورة لتأمين تكافؤ فرص العمل للمرأة . ومن الضروري توفير البنية الأساسية في الأقسام النسائية في كافة المؤسسات الحكومية وقطاع الأعمال الخاص وكذلك مشاركة المرأة في عملية صنع القرار .

 

ولعل أكثر التطوارت المشجعة هو رفع الحظر على مسألة العنف ضد المرأة في السنوات الأخيرة . وتشغل هذه القضية حيزا كبيرا في  الخطاب العام وخصوصا التقاريرالصحفية والبحوث الدراسية ( الأكاديمية ) . فهناك عدد من المبادرات التي أتخذتها الدولة مثل إنشاء البرنامج الوطني للأمان الأسري التابع للشئون الصحية للحرس الوطني  ومراكز الحماية الأجتماعية التابعة لوزارة الشئون الأجتماعية ومراكز حماية الأسرة داخل المستشفيات في جميع  أنحاء المملكة . وتوفر مثل هذه المبادرات فرصا لرفع درجة الوعي وكذلك لتسجيل عدد ضحايا العنف وتقديم الرعاية والحماية لهم بما في ذلك إمكانية حصولهم على مأوى . ومما يبعث على التشجيع هذه المناقشات الجارية من أجل إنشاء هيئة قومية مستقلة لتنسيق كافة الأعمال المتعلقة بالعنف ضد المرآة . وهذا من شآنه أن يمهد الطريق أمام إنشاء آلية وطنية من أجل النهوض بالمرأة وذلك لتأمين نهجا شاملا لحماية وضع المرآة والنهوض به بما في ذلك منع العنف ضد المرآة .

 

ومع التأكيد على أهمية هذه التطورات إلا أن غياب الأكتفاء الذاتي والمادي  وعدم أستقلالية المرأة والممارسات التي تحيط بالطلاق وبحضانة الطفل وغياب قانون يجرم العنف ضد المرآة

وعدم الأتساق في تطبيق القوانين والإجراءات يحول دون قدرة إفلات المرأة من بيئة الإيذاء التي تتعرض لها . وفي هذا الصدد , فإن الإفتقار إلى  القوانين المدونه التي تنظم الحياة الخاصة يشكل عقبة رئيسية تحول دون وصول المرأة إلى العدالة . علاوة على ذلك,فإن عدم وجود رقابة كافية للممارسات القضائية من قبل السلطات المعنية يسمح بصدور أحكام تقديرية  في المحاكم.وهذا بدوره يسمح بإجراءات تعسفية تكرس السيطرة على المرأة في الحياة العامة والخاصة . إن قضية الطلاق بالإكراه لفاطمة ومنصور التيماني إنما هي مثال على التناقضات والشكوك التي يواجهها هؤلاء الذين يتعاملون مع النظام القضائي .

 

وبالمثل فلقد أعرب لي الكثير من الأشخاص الذين تحدثت إليهم بما في ذلك مسئولين في الحكومة إلى المفاهيم الخاطئة المتعلقة بطريقة تنفيذ نظام ولاية الرجل في البلاد الأمر الذي يحد وبشدة حرية حركة المرأة وممارساتها لأهليتها القانونية بما في ذلك ما يتصل بالزواج والطلاق وحضانة الطفل والميراث والملكية وصنع القرار في شئون الإسرة والتعليم والعمل.

 

وهناك مثال آخر إسترعى إنتباهي إليه العديد من الأشخاص الذين ألتقيت بهم يتعلق بسلوك أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمعروفين بأسم الهيئة  . فهؤلاء القائمون على إنفاذ القوانين مسئولون عن حماية الأد اب في الأماكن العامة ولكن على الرغم من أنهم يتعين  عليهم العمل في أتساق مع الشرطة وفي حدود معينة بالنسبة للتوقيف وأحتجاز الأشخاص إلا أنه يبدو أنهم يعملون بشكل مستقل تماما ودون أي مساءله بإستثناء إمارات المناطق . ونتيجة لذلك وكما ذكر لي فأن رجال الهيئة مسئولون عن إساءات  خطيرة لحقوق الإنسان حيث يضايقون ويهددون ويوقفون المرأة التي تخرج على العادات والتقاليد السائدة . ومثالاعلى ذلك ما ورد في الصحافة السعودية خلال زيارتي للمملكة خلال هذا الشهر إذ تم توقيف سيدة أعمال ومن جدة وذلك لإحتساءها القهوة مع زميل لها في العمل في مكان عام . لقد تعرضت هذه السيدة لمعاملة مهينة وغير قانونية قبل أن يطلق سراحها في اليوم التالي .

 

إن برنامح الإصلاحات القضائية الذي أعتمد حديثا والذي يتوقع له أن يشمل ضمن جملة أمور أخرى إنشاء محاكم للإسرة يرافقه مسودة قانون للعنف المنزلي  هي من المبادرات الواعدة في

معالجة بعض أوجه القصور المشار إليها سلفا . لقد علمت من وزارة العدل بأنها بصدد إنشاء إدارة معنية بالمرأة تابعة للوزارة مهمتها تنسيق عمل محاكم الأسرة ودعمها . إن إدخال المزيد من الإصلاحات الإضافية في مجال إنفاذ القوانين بما في ذلك تلك المتعلقة بالمساءلة من شأنها أن تقوي من شعور المرآة بالأمان وبإمكانية وصولها إلى العدالة .

 

وأخيرا وليس آخرا أود أن ألفت الإنتباه إلى وضع عاملات المنازل المهاجرات واللائي يتعرضن لظروف تجعلهن في موقع ضعيف للغاية من قبل وكالات التشغيل التي ترسلهم . فنتيجة لعدم وجود آليات مراقبة كافية تجدن أنفسهن تحت رحمة الكفيل بدون أي معرفة بحقوقهن في البلد المضيف . وفي حين تستفيد العديد منهن بالفرص المتاحة لهن إلا أن عدد منهن يواجهن ظروف عمل صعبة ولا يحصلن على مرتباتهن بل وقد يجدن أنفسهن معرضات لأشكال متعددة للعنف

 

إن مستقبل وضع المرأة في المملكة العربية السعودية هو محور النقاش الدائر فيما بين النساء السعوديات أنفسهن بل وأصبح موضوع يحضى بالأهتمام في الخطاب العام بما في ذلك الحوار الوطني والذي يستهدف تحقيق التجانس الأجتماعي من خلال التوافق العام في الإراء . وفيما يتعلق بوضع إستراتيجية فعالة لمكافحة العنف ضد المرأة يمكن القول بأن الحركة قد بدأت بالفعل ولكن الطريق ما زال طويلا وهو يشمل :

 

  • · وضع إطار قانوني يرتكز على المعايير الدولية لحقوق الإنسان ( والذي ينبغي أن يشمل , ضمن جملة أمور أخرى , قانونا يجرم العنف ضد المرأة وقانونا للإسرة بشأن الزواج والطلاق والسن الأدنى للزواج ( .
  • · إنشاء مؤسسات قوية ومستقلة بما في ذلك آلية وطنية معنية بالمرأة ذات صلاحيات للتدخل  في حالات إرتكاب العنف ضد المرآة ولتنسيق الإجراءات الحكومية في هذا الشأن .
  • · وضع سياسات وخطط للعمل الإيجابي من أجل تمكين المرأة وذلك من خلال مشاركتها الفعالة في كافة مجالات المجتمع بما في ذلك صنع القرار والعمل القيادي وتوفير التدريب ورفع درجة الوعي لدى القائمين على إنفاذ القوانين وفي الهيئات القضائية ولمقدمي الرعاية الصحية والأخصائيين الإجتماعيين وقادة المجتمع والجمهور عامة وذلك لزيادة فهم أن إرتكاب أي شكل من أشكال العنف ضد المرآة لا يعتبر فحسب إنتهاكا خطيرا للحقوق الأساسية بل يتنافى تماما مع القيم التي يعتز بها المجتمع الإسلامي .

 

وفي الختام أود التأكيد على أن الحاجة الماسة لمعالجة حقوق المرآة ستزداد إلحاحا لأن صوت المرأة في المجتمع السعودي أصبح مسموعا كما أصبحت إسهاماتها في المجتمع محسوسة لدرجة أكبر  . ويبدو أن المرآة في المملكة العربية السعودية مع كل أحترامها للقيم السائدة في المجتمع أصبحت على أستعداد للدخول في مرحلة جديدة من الإلتزام بالإسهام في نهضة مجتمعها ومجتمع الأجيال القادمة من الرجال والنساء . إن دعم المرأة في مساعيها يتطلب رؤية وشجاعة وقيادة وإلتزاما راسخا من أعلى المستويات في الدولة ومشاركة كافة القطاعات الحكومية بالتشاور مع الجهات الفاعلة في المجتمع المدني .

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: