عن التقرير الأممي الأول حول حقوق الإنسان في السعودية 2009

بقلم: سبيكة النجار

جريدة الوقت

تناقش المملكة العربية السعودية اليوم الخميس الثاني عشر من فبراير تقريرها الأول لسجل حقوق الإنسان. وتذكر الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أنها أعدت هذا التقرير بالتعاون مع جميع الجهات الحكومية والغير حكومية إلا أنها لم تذكر أسماء تلك الجهات. ويقع تقرير الهيئة في 26 صفحة وينقسم إلى سبعة أقسام رئيسية تتناول الهياكل الرسمية والقضائية ذات العلاقة بحقوق الإنسان والإجراءات المتخذة في هذا الشأن بحسب الإتفاقيات الدولية التي انضمت إليها المملكة وهي كالتالي: إتفاقية حقوق الطفل، إتفاقية مناهضة التعذيب، إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة  السيداو.

ومن الجدير ذكره هنا أن المملكة العربية السعودية قد تكون الدولة الوحيدة التي أبدت تحفظات عامة على إتفاقية السيداو واتفاقية حقوق الطفل وإتفاقية مناهضة التمييز العنصري،  الأمر الذي يعد من وجهة نظر حقوق الإنسان منافياً لجوهر تلك الإتفاقيات ومعطلاً لها. وهي لم تنضم بعد إلى العهدين الدوليين على الرغم من أهميتهما في حقل صيانة حقوق الإنسان؛ إلا أن التقرير يذكر في باب التعهدات والإلتزامات الطوعية أن المملكة تدرس باهتمام الإنضمام للعهدين الدوليين، وأن دراسة إنضمامها إلى البروتوكول الإختياري لإتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة  وصلت لمراحلها النهائية. فهل ستفاجئنا السعودية بأن تكون أول دولة خليجية تنضم للبروتوكول؟. لا نستبعد ذلك فنحن نعيش في عصر المفاجآت، وليتحقق ذلك لا بد من رفع التحفظات على الإتفاقية أولاً وإلا أصبح البروتوكول لا جدوى منه.

ويعتبر سجل حقوق الإنسان في السعودية من أكثر الملفات التي تثير جدلاً وخاصة فيما يتعلق بعقوبة الإعدام و ما يسمى بالعقوبات الجسدية كالرجم والجلد؛  بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإعتقال التعسفي والتعذيب، والمساواة بين الجنسين وغير ذلك. وفي هذا الصدد أعد الفريق العامل المعني بالمراجعة الدورية تقريراً لخص فيه آراء المقررين الخاصين ولجان الأمم المتحدة المعنية بتنفيذ الإتفاقيات الدولية إلى جانب آراء بعض المنظمات المتخصصة مثل منظمة العمل الدولية.

ركز التقرير على التوصيات وحث الحكومة على تبني خطوات إصلاحية في مجال حقوق الإنسان على كافة المستويات الدستورية والتشريعية وتفعيل الإتفاقيات الدولية. لذا كان من أهم الخطوات بالنسبة لتلك المنظمات ضرورة الإسراع برفع كافة التحفظات على الإتفاقيات التي انضمت لها السعودية وخاصة فيما يتعلق بالتحفظات العامة التي تفرغ الإتفاقيات من محتواها وتبعدها عن أهدافها.

المرأة كانت حاضرة بشكل ملحوظ في التقرير. وترجم ذلك في أهمية المساواة في الأجور بين الرجال والنساء، وضرورة فتح أوسع مجالات العمل أمام النساء وعدم حصرهن في أعمال معينة، والدعوة إلى عدم تغييب المرأة عن مراكز إتخاذ القرار، وضرورة تطبيق خطة وطنية لتشجيع المساواة على أساس النوع الإجتماعي (الجندر). لاحظ التقرير ارتفاع مستوى العنف الممارس ضد المرأة وخاصة من قبل الجماعات الدينية مثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطالب بوضع حد لتلك التصرفات. وانتقد في الوقت نفسه زواج المسيار على أساس أنه لا يضمن مشاركة الزوج في تحمل مسئولياته العائلية، وطالب بإصدار تشريعات تحقق المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق الزوجية. وفي الوقت نفسه طالب بتحديد سن الزواج بثمانية عشر سنة للجنسين ومنع زواج الصغيرات. ولم ينس التقرير قضية منع النساء من سياقة السيارات؛ ذلك المطلب النسائي الذي لا يزال حياً منذ أن خرجت مجموعة من النساء في تظاهرة بالسيارات فلفتن أنظار العالم لقضايا المرأة السعودية.

على المستوى القضائي دعا التقرير إلى إصلاح النظام القضائي وضمان استقلاليته في ضوء المبادئ الأساسية لاستقلال القضاء، وضرورة العمل على تفعيل المواثيق الدولية لتصبح جزءً لا يتجزأ من القوانين المحلية. ودعا كذلك إلى رفع سن الحدث إلى 18 سنة بدلاً من سبع سنوات كما هو متبع حالياً. ودعا إلى إلغاء العقوبات الجسدية كالجلد والرجم وقطع الأطراف في إشارة إلى قطع اليد حسبما أعتقد-  وذاكراً في الوقت نفسه عقوبة غريبة لم أسمع عنها شخصياً وهي قلع العين (eye gouging) إلى جانب التعذيب الممارس في أماكن الإحتجاز وطول فترات التوقيف، ودعا كذلك إلى إلغاء العقوبات المتشددة التي تتخذ بدواعي الإرتداد عن الدين أو عدم إحترامه؛ إلى جانب استهداف نشطاء حقوق الإنسان.

وأبرز التقرير الحاجة إلى محاربة التمييز وضرورة اتخاذ تدابير فعالة لمنع الخطب ضد الأقليات سواء في المساجد أو المدارس. كما دعا إلى تبني تعريف محدد للتمييز في التشريعات الوطنية بما في ذلك التمييز ضد المرأة، ونشر ثقافة حقوق الإنسان بين مختلف فئات السكان الأجانب منهم والمواطنين، وخص بالذكر الموظفين العاملين على إنفاذ القانون في جهاز الشرطة والجيش والقائمين على أماكن الإحتجاز والجهاز القضائي.

ملفات حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية كثيرة ومتشعبة. وفي المراجعة الدورية الشاملة ستوضع هذه الملفات على بساط البحث أمام سياسيين يمثلون حكوماتهم، وسيتم وزن الأمور بميزان المصالح التي تربط تلك الدول بالسعودية وهي مصالح  كثيرة يأتي على رأسها المال والبترول. فهل ستتغلب تلك المصالح على مبادئ حقوق الإنسان، أم سيصور المندوبون السعودية دوحة تزهر فيها حقوق الإنسان؟ ذلك ما ستكشف عنه نقاشات اليوم؛ ولنا عودة حول هذا الموضوع.

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: